الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

78

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فتمحض للاسمية ، ولا التفات فيه إلى زمن من الأزمنة الثلاثة ، ولذا فمعنى فَلا ناصِرَ لَهُمْ : فلم ينصرهم أحد فيما مضى . ولا حاجة إلى إجراء ما حصل في الزمن الماضي مجرى زمن الحال ، وقولهم اسم الفاعل حقيقة في الحال جرى على الغالب فيما إذا أريد به معنى الفعل . وقرأ الجمهور : وَكَأَيِّنْ بهمزة بعد الكاف وبتشديد الياء . وقرأه ابن كثير بألف بعد الكاف وتخفيف الياء مكسورة وهي لغة . [ 14 ] [ سورة محمد ( 47 ) : آية 14 ] أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ( 14 ) تفريع على جملة أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ [ محمد : 13 ] لتحقيق أنهم لا ناصر لهم تحقيقا يرجع إلى ما في الكلام من المعنى التعريضي فهو شبيه بالاستئناف البياني جاء بأسلوب التفريع . ويجوز مع ذلك أن يكون مفرّعا على ما سبق من قوله : إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ محمد : 12 ] الآية ، فيكون له حكم الاعتراض لأنه تفريع على اعتراض . وهذا تفنن في تلوين الكلام لتجديد نشاط السامعين هو من الأساليب التي ابتكرها القرآن في كلام العرب . والاستفهام مستعمل في إنكار المماثلة التي يقتضيها حرف التشبيه . والمقصود من إنكار المشابهة بين هؤلاء وهؤلاء هو تفضيل الفريق الأول ، وإنكار زعم المشركين أنهم خير من المؤمنين كما ظهر ذلك عليهم في مواطن كثيرة كقولهم : لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ [ الأحقاف : 11 ] وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ [ المطففين : 32 ] فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ [ المؤمنون : 110 ] . والمراد بالموصولين فريقان كما دل عليه قوله في أحدهما وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ . والبينة : البرهان والحجة ، أي حجة على أنه محق . و مِنْ ابتدائية ، وفي التعبير بوصف الرب وإضافته إلى ضمير الفريق تنبيه على زلفى الفريق الذي تمسك بحجة اللّه . ومعنى وصف البينة بأنها من اللّه : أن اللّه أرشدهم إليها وحرّك أذهانهم فامتثلوا وأدركوا الحق ، فالحجة حجة في نفسها وكونها من عند اللّه تزكية لها وكشف للتردّد فيها وإتمام لدلالتها ، كما يظهر الفرق بين أخذ العلم عن متضلع فيه وأخذه عن مستضعف فيه وإن كان مصيبا . و ( على ) للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى التمكن كما في قوله تعالى : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ في سورة البقرة [ 5 ] .